ورقة موقف بشأن سياسات الجندر ومجتمع الميم
لطالما كان النضال النسوي المزراحي (اليهود- شرقي) وما زال مناهضا للمفاهيم المتجذرة في العنصرية التي تعود الى خمسينيات وستينيات القرن الماضي، وهي عنصرية لم يشارك فيها الرجال فقط، بل أخذت فيها النساء أيضا دورهن في اطلاق الأحكام المسبقة ضد اليهود الشرقيين والعرب. في السبعينيات، ناضلت النساء من أجل مكانتهن في جميع مجالات الحياة، من أجل المساواة في الحقوق والحرية، وخضن نضالات مريرة ضد العنف الموجه ضدهن لمجرد كونهن نساء. ومنذ نهاية السبعينيات، بدأ مجتمع الميم (آنذاك – المثليون والمثليات) في إسرائيل بالتنظيم والنضال من أجل النهوض بحقوقهم. في التسعينيات، قادت مجموعتان مهمتان نضالاتهما إلى الواجهة: النساء الشرقيات وأفراد مجتمع الميم والكوير. وعلى الرغم من النقد الشرقي للنظام القضائي، فإن الإنجازات القيّمة التي حققتها هذه المجموعات داخل وخارج النظام القضائي تتأرجح اليوم على حافة الهاوية في ضوء سياسات الحكومة الحالية والتزاماتها بموجب الاتفاقيات الائتلافية.
يعتمد اقتصاد إسرائيل بشكل كبير على العمل التطوعي للنساء اللواتي يقمن بالأعمال غير المرئية. أكثر من 25٪ من أعمال الرعاية غير مدفوعة الأجر تُنفذها النساء، وخاصة الشرقيات والإثيوبيات ونساء من جنسيات مسلمة كانت تابعة للاتحاد السوفيتي سابقا. بالإضافة إلى ذلك، تشارك النساء العربيات في الأعمال الصعبة منخفضة الدخل، كالخدمات والتنظيف في المستشفيات والمؤسسات العامة، ويتعرضن هن أيضا للاستغلال. لا تحظى هذه النساء بالاعتراف، على الرغم من أن العديد منهن يناضلن منذ عقود من أجل تحررهن من القمع ويتنظمن كعاملات في المصانع، وكأمهات وحيدات، وكعضوات في لجان أولياء الأمور في الأحياء، وقد حققن إنجازات لا بأس بها. إلا أنهن يجدن أنفسهن مراراً وتكراراً مستَغَلات وعلى هامش المجتمع، بينما يقمن بالأعمال غير المرئية دون أي مقابل.
في جهد استمر سنوات طويلة، أشارت النساء اليهوديات الشرقيات إلى التشوهات في تاريخ دولة إسرائيل، التي قادت المجتمع بأكمله إلى ما نحن عليه اليوم. تاريخ محا الحكمة والإنسانية والتسامح الذي ورثته أمهاتنا وجداتنا الشرقيات، تاريخ سلب منا الثروة والمعرفة الثقافية التي نشأنا منها. أعادت النساء الشرقيات إحياء هذه الحكمة، وما زلن يجمعن ذكريات وقصص البطولة والبقاء لعائلاتهن. جندت النساء الشرقيات ولا يزلن يجندن تراثهن الغني في نضالات لا هوادة فيها من أجل العدالة والخلاص، وضد المظالم التي ارتكبتها الحكومات السابقة في خطف الأطفال والتجارب الطبية التي انتهت بالقرع والأمراض الخبيثة.
اليوم، وكما كان الحال بالأمس، تحارب النساء الشرقيات من أجل حقوق جميع البشر من نساء ورجال، شرقيات وغير شرقيات. في العقود الأخيرة وبالتحديد منذ سنوات التسعينيات انضم الى النضال نم أجل حقوق الإنسان والمواطن مجموعات من مجتمع
الميم والكوير وعائلاتهم من كل فئات المجتمع في اسرائيل
منذ التغيير الحكومي الأخير، تعتمد وزارة الداخلية سياسات تُعرّض للخطر الشديد كل من لا مكانة قانونية لهم في اسرائيل، بمن فيهم طالبي وطالبات اللجوء، والنساء اللواتي تعرضن للتعذيب خلال الاتّجار بهن، واولئك اللواتي هاجرن بحثا عن لقمة العيش لإعالة عائلاتهن من خلال الاعتناء بمنتهى الإخلاص بعوائلنا. تبتغي هذه الحكومة منع اولئك النساء من التوجه الى المحاكم للمطالبة لإنصافهن، وتسعى للاحتفاظ بسلطات شاملة لإلغاء تصاريح الإقامة، مما يعرض حياتهن للخطر ويدوس كرامتهن. يضاف الى هذا العنف اليومي والإهمال للنساء في الحيّز العام، كما يحدث، على سبيل المثال، في منطقة المحطة المركزية في جنوب تل أبيب، حيث تتعرض حياة وأمن النساء المستضعفات، الشرقيات وغير الشرقيات، للتهديد المستمر.
هذه لحظة مصيرية بالنسبة لنا: حيث نرى ونسمع تصاعد الخطاب ضد النساء وضد أعضاء مجتمع الميم والكوير. نشعر بالفعل بتآكل الإنجازات التي حققناها بالعمل الشاق وحتى بالدم، في نضالات الحركات
والمنظمات، وفي التشريعات والقرارات القضائية التي تطلبت ولا تزال تتطلب عملاً شاقاً. منذ أن انضمت النساء الشرقيات إلى النضالات النسوية ونضالات مجتمع الميم والكوير، أصبح صوتهن مسموعاً في الثقافة والتعليم والإبداع والقيادة الاجتماعية وحتى في السياسة. لكن حتى هذه الأصوات يتم قمعها، ويتم الترويج لـ “شرقية أصيلة” مزعومة، وفقاً للمثال الذي يتمسك به الحاخامات والمحاكم الدينية المحافظة. يسعى هؤلاء إلى “إعادة الأمجاد الى سابق عهدها” من خلال آليات التمييز والقمع حيث تختار النساء – ظاهريًا – النظام القديم. لكن في ذات الوقت، فإن ما تشعر به النساء وأفراد مجتمع الميم والكوير بالفعل هو الاضطهاد والتمييز، والمطالب بالفصل بين النساء العربيات واليهوديات في المستشفيات، والفصل في الأماكن العامة، وكل ذلك بدعم من الحكومة الحالية.
لقد تجرأت هيئات غير منتخبة، مثل “منتدى كوهيلت”، على التعدي على قرش الأرملة وصياغة تشريعات تتبنى عقيدة على غرار “نحن جمهوريون صالحون”. في عام 2018، نشر “منتدى كوهيلت” تقريراً يستعرض المزايا الممنوحة للأسر أحادية الوالدية، وأثار ادعاءً لا أساس له من الصحة مفاده أن هذه المزايا تخلق حافزاً اقتصادياً للنساء ليصبحن ويبقين أمهات وحيدات من أجل الاحتيال على مؤسسة التأمين الوطني، حتى عندما يكون لديهن شريك حياة. منذ عام 2003، عندما شغل بنيامين نتنياهو منصب وزير المالية، خفض الدعم الحكومي للأسر أحادية الوالدين إلى المبالغ الضئيلة المقدمة اليوم، وهي مبالغ تترك النساء والأطفال في ضائقة يومية. وألغى القانونين اللذين تم سنهما في أوائل التسعينيات لصالح الأمهات الوحيدات. كما اقترح المنتدى تقصير مدة التأهيل الطويلة المطلوبة في المهن الطبية.
تدفع الفتيات الشرقيات اليوم ثمن عقود من الخصخصة الكبرى، حيث يعانين، جنباً إلى جنب مع فتيات وفتيان آخرين في مؤسسات رعاية الشباب والمدارس الداخلية، من نقص اللأيدي العاملة بشكل عام والمهنيين منهم على وجه الخصوص، مما يلحق ضرراً فادحاً بكل من النساء المهنيات ومتلقيات الخدمة على حد سواء. يعمق “منتدى كوهيلت” آليات الخصخصة الأخذة في الانتشار نحو نظام الرعاية الصحية، وفقاً للنموذج الأمريكي، حيث لا يتمتع الفقراء ولا حتى الطبقة المتوسطة بالحقوق الاجتماعية الأساسية ويعانون من معدلات وفيات ومرض مرتفعة بسبب طريقة التأمين الصحي سيئة الصيت عالميا. زاد هذا التوجه زاد بشكل كبير من انعدام المساواة بين الفئات المختلفة ومن التفاوت في الخدمات المقدمة على يد مهنيين مؤهلين وأجهزة تكنولوجية متطورة التي لا تصل الى مناطق الضواحي النائية. تحمل هذه الخطة الحكومية في طياتها ضرراً جسيماً تجاه النساء الشرقيات العاملات في مجالات التعليم والتربية والطب، ممّن أسسن ذواتهن من خلال العمل الدؤوب وتخطيهن الكثير من العوائق. الضرر الحاصل لمتلقيات الخدمات جسيم أكثر – حيث أن أفراد مجتمع الميم يتعرضون أصلاً لتعامل تمييزي بل وعدائي من طرف هذه المنظومات الحيوية.
إن المنتديات الأصولية المتطرفة، التي لديها متبرعون وممولون من بين كارهي العرب والمسلمين، تعارض حرية الدين وتروج لمواقف إنجيلية رجعية صريحة. بإلهام وبتشجيع منهم، تتبنى الحكومة الحالية نُهجاً قمعية تقوض المساواة المحدودة التي حققتها النساء ومجتمعات الميم والكوير. يروجون لهذا الخطاب داخل إسرائيل وخارجها، ويعمقون المعاملة المهينة والمعارضة لنضالات النساء الشرقيات من أجل المساواة والحرية الجندرية والجنسية.
تشكل حيازة السلاح بين المدنيين خطورة أكبر على النساء من مقدار الزيادة المرجوة في الأمان الشخصي. لن يؤدي السلاح تحت الرقابة المتخاذلة إلى زيادة أمن المواطنين، بل سيعمق السيطرة والقمع. تتعرض أكثر من 200,000 امرأة في إسرائيل للعنف كل عام، وربعهن فقط يبلغن السلطات. في المتوسط، تُقتل 20 امرأة سنوياً على خلفية النوع الاجتماعي (الجندر). إن القرار الخطير بتسهيل منح تراخيص حمل السلاح، مع غياب الاستجابة الكافية والرقابة الصارمة، سيجعل من الأصعب على النساء تلقي المساعدة وسيزيد من التهديد المحدق بحياتهن. من الجدير بالذكر أن الأكثر عرضة لهذه المخاطر هن النساء الفقيرات والشرقيات والفلسطينيات والعابرات جنسياً وجميع النساء المهمشات. نساء يواجهن بالفعل معاملة تمييزية وعنصرية من جانب سلطات القانون.
نحن نقف إلى جانب النساء الشرقيات وغيرهن، والى جانب الرجال الشرقيين وغير الشرقيين من مجتمع الميم، الذين تسعى الحكومة الجديدة إلى التضييق عليهم، وإلى جانب مجتمع الميم الذي تسعى هذه الحكومة إلى منعه من السير في شوارع المدن، وعلى رأسها القدس. إن النضال من أجل الظهور والتواجد في الحيّز العام، وكذلك الحق الأساسي في المسير، هو نضال من أجل الحق الأساسي في الحياة. من حق كل مواطن أن يسير برأس مرفوع في الدولة، بما في ذلك أفراد مجتمع الميم والكوير من جميع التيارات، بمن فيهم المرتدون عن الدين والراغبون في الاستمرار في أن يكونوا متدينين والعيش وفقاً لميولهم النفسية والجنسية. هذا الحق يعادل الحق في الحياة، بكل معنى الكلمة، والمسيرات والظهور العلني لمجتمع الميم في بعض المدن النائية هو جزء من نضال مستمر لم يُحسم بعد. فقط الآن بدأت عملية بطيئة تشير إلى تغيير إيجابي، مع تزايد قبول الشباب من مجتمع الميم الشرقي في المنازل والعائلات ومجتمعاتنا. يُعزى جزء مهم من هذا الإنجاز إلى النساء الشرقيات اللواتي يقدن النضال من أجل أطفالهن، في مواجهة المفاهيم التقليدية التي تهدد حياة الشباب الذين يسعون في مرحلة مبكرة من حياتهم للعيش وفقاً لميولهم وبطريقتهم.
الطيف الجندري متنوع، ويشمل الأديان والقوميات والأعمار وأفراد المجتمعات والأذواق الشخصية والثقافية المتعددة، بما في ذلك حرية اختيار الحب والعيش وفقاً لطريقتهم وتجربة الجنسانية والأسرة وفقاً للاختيار الحر. الفلسطينيون/ات، والمهاجرون/ات للعمل، واللاجئون/ات، وكامل الطيف العابر للجنس، هم فئات في مجتمعنا تحتاج إلى حماية إضافية من استبداد الأحكام المسبقة والتشريعات المرتبطة بها.
ما الذي نطالب فيه وما هي الخطوات المطلوبة لتحقيق ذلك
باسم أمهاتنا وجداتنا اللواتي عانين من التحييد والتحقير واستمرين رغم ذلك، بشجاعة واصرار، في شق الطرق امام بناتهن وأبنائهن ومنحننا الحياة والأسماء والمعرفة. نطالب نحن – النساء والرجال ونساء مجتمع الميم الشرقيات الملتزمات لمجتعاتهن – بحقوقنا الاجتماعية والمدنية والإنسانية، وبحقوق كل من نتقاسم واياهم وإياهن هذا الحيّز.
من ضمن الخطوات العينية نطالب بما يلي:
- مكافأة عمل النساء وتعويضه – في التعليم، والمهن شبه الطبية، والرفاه الاجتماعي، والتربية والأعمال المنزلية
- الاعتراف بالأعمال الشفافة غير المرئية والعمل التطوعي وتعويضها ومكافأتها حيث أنها تشكل البنية التحتية لتحريك الاقتصاد الوطني
- حماية فعالة ونشطة للنساء من جميع أشكال العنف والقمع
- نطالب بإلغاء أية سياسات تشجع على انتشار السلاح بين المدنيين، ونطالب بتعزيز حماية أمن النساء من جميع الفئات السكانية والهويات الجندرية والأديان والطبقات، الحاملات للجنسية منهن وفاقداتها، وضمان حقهن في استعمال الحيز العام بشكل متساوٍ وآمن، أينما كان
- نطالب بتنظيم فوري لحقوق مجتمع الميم في القانون، وحظر فوري لعلاجات التحويل المهددة للحياة، وإزالة الحواجز الإشكالية أمام إجراءات التحول الجندري.
- نطالب بمساواة حقوق مجتمع الميم والكوير في مجال التبني والأسرة في القانون، والأنظمة والتعليمات الإدارية في جميع أقسام الدولة لتوفير الخدمات والعلاجات التي تتناسب واحتياجات مجتمع الميم كاملة
- نطالب بحماية الأطفال الذين يظهرون اهتماماً ورغبة في استكشاف ميولهم الجندرية والجنسية وهم قاصرون، نطالب بأن تتبنى المدارس دروساً مع محتوى يشجع على الحوار المفتوح التمكيني والاحتوائي جول الميول الجنسية والجندر
- تعزيز برامج التعليم والتثقيف وتعلم اللغات التي تتناول قوة النساء من المجتمعات المهمشة، كاليهوديات الشرقيات والفلسطينيات زالنساء من أصول اثيوبية ومن الاتحاد السوفياتي سابقاً والعمالة الوافدة واللاجئات
- تمثيل متناسب للنساء من الفئات المهمشة ومجتمع الميم والكوير في الخدمة المدنية والشركات الحكومية لئلا ترتطمن بسقف زجاجي تحت التصنيف العام “نساء”.